للتخلص من البسطات يجب زيادة المطبات!

عندما وصلت إلى باب جنين صاعداً من نزلة الفيض، تكشف أمامي مشهد مقلق لجمع من الناس وكأنه المحشر، فتوجست خوفاً وهممت أن أعود أدراجي خشية أن يكون هنالك حادث، وأنا الذي علمتني السنوات الأربعة عشرة الماضية أن أرتعب من كل تجمع بشري. ولكن في واقع ما بعد النظام وما بعد داعش، قررت الاقتراب لرؤية ما يحدث.

كان الجمع الغفير ببساطة عبارة عن عدد مهول من البسطات التي افترشت الشارع، وبشرٌ يتصيدون بضائع رخيصة، أو ينتظرون السرفيس، وسيارات تحاول استعادة شيء من حيزها من الإسفلت.

في أوائل أيام تحرير حلب، مررت من هذا الطريق باتجاه القلعة، وكان خالياً، فاستغربت من عرض الطريق على عكس ما أذكر. عاد اليوم الطريق إلى ضيقه. لا يضع الباعة بسطاتهم على طرف الطريق، بل يحتلون بتحدٍ منتصف الشارع حتى لا تغلق عليهم السيارات. والباقي من الشارع هو مساران فقط لركن السيارات وعبورها في اتجاهين.

يتطلب التعامل مع هذا السوق ركوعًا جسديًا، ونزولاً حرفيًا إلى عالم تجاري موازٍ حيث تختلط الألبسة الأوربية البالية مع معلبات المرتديلا، والسمك النهري الطازج مع الفروج التركي المجمد، والمكسرات والحلويات مع الأواني المنزلية الصينية، وألعاب الأطفال مع الأسلحة البيضاء الخفيفة.

عندما تصعد مرة أخرى للعالم العلوي، تغمر حواسك فوراً بعدد لانهائي من رؤوس البشر، وتسمع أصواتًا من الحناجر والميكروفونات تحاول جميعها بيع شيء لا يمكن تبينه من شدة تراكب الأصوات. ليس المهم أن يسمع أحد– المهم أن يستميت الجميع في عملية البيع، كتركيب صوتي معادل للوحات جاسون بولوك

أحد البسطات لرجل كبير في العمر، بدا عليه من هيئته بالصدرية الصوفية، والبنطالون القماشي أنه موظف سابق، يعرض أدوات كهربائية منزلية تحمل آثار استخدام بسيط، وأواني مطبخ، وكتب مدرسية وجامعية. توحي التشكيلة في تنوعها أنها أغراضٌ من منزله. في الزاوية وقفت امرأة بخجل تبيع المحارم والمسابح، وفي مكان آخر وقف شاب جامعي يبيع بقايا الموضة الغربية السريعة، التي تشهد الآن تناسخها الثالث أو الرابع. من يرى هذا السوق من الداخل يعرف أنه ليس سوقاً للتجار بل سيراً ذاتية.

من يراه من الخارج يراه استغلالاً للوضع الأمني، وضرراً بأصحاب المحال التجاري الذين يدفعون أجارات مرتفعة، وإشغالاً للشوارع العامة، والسبب الرئيسي للازدحام. ومن ثم ترتفع المطالبات بمنع هذه الظاهرة وإزالة البسطات ومخالفتها.

عندما مررت يومها باب جنين كانت دورية للبلدية تمر بالفعل على البسطات لإزالتها. استجاب البعض، حتى إذا مرت الدورية عادوا إلى فرد بضائعهم. لقد وصل العبث إلى أبعاد جعلت الدورية في نهاية المطاف تتخلى عن مهمتها، تحت وطأة الميزة العددية المهولة التي يتمتع بها اليائسون اقتصاديًا على حساب ذوي السلطة الإدارية. ومع تدخل الدولة لإزالة هؤلاء الباعة، تظل الديناميكية دون تغيير. فقد تصادر السلطات السلع، أو تقيم الحواجز، أو تفرض الغرامات، ولكن أياً من هذه التدابير لا يقضي على السبب الجذري– العيوب البنيوية لنظام يستلزم هذا النمط من البقاء. وفي كل مرة تدفع فيها الشرطة الباعة إلى الخارج، يعودون، مدفوعين بالضرورة المادية لإطعام أسرهم.

مطب

أثناء إقامتي في الشمال السوري كان من الملاحظ وجود مشكلة مزعجة في التنقل بين مدن المنطقة. الطريق الواصل بين أعزاز والباب لا يتجاوز ال 55 كيلومتر، ومع ذلك يلتهم ساعتين من وجودك. أي أن السيارة تمشي بمتوسط سرعة 27 كم في الساعة على طريق مزفت حديثًا. فما السبب؟

يتلوى الطريق بين عدد من القرى الصغيرة، حيث بنى السكان محلاتهم ومنازلهم، بشكل غير قانوني، ملاصقةً للطريق العام. وبسبب استهتار سائقي السيارات، الذين لا يحمل معظمهم شهادة قيادة سيارة، ومبالغة السيارات بالسرعة الغير، فكر المعنيون أن الحل هو وضع مطبات تخفيف سرعة على طول الطريق. وبما أن السيارات التي كانت تتجاوز السرعة هي سيارات مرتفعة غالبًا، ارتفعت معها الكتل من مطبات لتخفيف السرعة إلى حواجز إسفلتية لإيقاف السيارات. وتحول الطريق من شارع عام، إلى شارع مطبات يتخلله مطبات. رغم ذلك وقع حادث في قرية جارز حيث دعس بيك اب مسرع طفلاً جرى من باب منزله إلى الشارع مباشرة. وماذا كان الحل؟ وضعت ثلاث مطبات جديدة بين المطبات السابقة.

ما نتج عن هذا “الحل” هو طول الطريق على الموظفين والطلاب، ارتفاع أجور النقل، كثرة هدر الوقود على مسافات قصيرة، وازدحام الطرقات. وهل توقفت الحوادث؟ لا يوجد أي دليل على ذلك. وتعكس قضية مطبات السرعة الطرق نفس التناقض الأساسي في باعة البسطات. فبدلاً من الاستثمار في البنية الأساسية التي تخدم الناس أو معالجة السلوك المتهور، تنفذ السلطة حلولاً سريعة لا تفعل الكثير لحل المشكلة الأساسية. إن المطبات والإزالة القسرية للبسطات، لا تخدم إلا إزاحة القضية بدلاً من معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية.

التنظيم كمشكلة

يفكر المطالبون بإزالة البسطات التي تشغر الشوارع والساحات العامة، بذات العقلية التي اقترحت المطبات لحل مشكلة سرعة السيارات. عقلية تفكر بحلول مؤقتة تتناسب مع وضع مؤقت، ولا يصلح لدولة. عقلية تركز على رؤية الازدحام كمشكلة، وتفشل في رؤية القضايا الاقتصادية الأعمق من ذلك.

لإزالة البسطات من الأماكن العامة يجب أن تعمل المصانع، وورش البناء، وأن تدفع أجوراً مجزية ليقارن المواطن بين دخله من البيع ودخله كعامل، فيختار الأخير. حينها لن تطر البلدية لعمل جولات لإزالة البسطات– ستكون القوى العاملة قد أعادت توزيع نفسها.

هنالك حقيقة لا يمكننا صم آذاننا عنها: لا يمكن القضاء على الفقر بالتنظيم. لا يرى أصحاب السلطة وأصحاب رؤوس الأموال إلا الشوارع المزدحمة، والتجارة العشوائية، والفوضى. ويفشلون في رؤية، أو ربما يختارون ألا يروا، أن هؤلاء الباعة ليسوا سبباً للفوضى، بل هم الأعراض المرئية لاقتصاد متهالك.

إن مشهد موظف حكومي سابق يبيع أغراضه المنزلية على شادر نيلوني، أو طفل يبيع المرتديلا بدل أن يكون في المدرسة، لابد وأن يثير أسئلة أكثر جدية من “كيف نخلي الشوارع؟”. آمن هؤلاء الناس يوماً بالنظام، ولعبوا وفقاً لقواعده، واستثمروا في التعليم والوظائف المهنية. والآن يجدون أنفسهم على الجانب الخطأ من القواعد البلدية، ويوصفون بأنهم مصدر إزعاج يجب إزالته.

إرسال دوريات لتفريق الباعة مؤقتاً، ليس إلا صورة أخرى عن قرار زيادة المطبات لتخفيف السرعة. يشترك النهجان في ذات الخلل الأساسي: فهما لا يعاملان المواطنين باعتبارهم بشراً يستجيبون بعقلانية لظروف يائسة، بل باعتبارهم مشاكل يتعين التعامل معها، وكقطع من الخشب يتعين تحريكها كيفما ارتفعت الأصوات على وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن البشر ليسوا قطعاً من الخشب. فالبائع المتجول الذي يعود إلى مكانه في اللحظة التي تمر بها الدورية لا يُظهِر ازدراءه للنظام؛ بل إنه يُظهِر الغريزة الإنسانية الأساسية للبقاء على قيد الحياة. وكلما زادت قوة محاولات السلطات لإبعاد هؤلاء الناس عن الأنظار، كلما ازداد تشبثهم بأي وسيلة من وسائل البقاء على قيد الحياة المتاحة لهم.

إن الخطأ الأساسي في الحكم الحضري اليوم لا يكمن في فرض النظام ـ ذلك أن درجة معينة من النظام ضرورية ـ بل في الاعتقاد المستمر بأن المشاكل الاقتصادية يمكن حلها من خلال التدابير الإدارية. وما نشهده في هذه الشوارع المزدحمة ليس مجرد فشل تنظيمي، بل هو فشل كبير في التخطيط الاقتصادي.

لنفهم هذه الجزئية لنفترض أن أحد هؤلاء الباعة قرر فتح متجر خاص به. سيتطلب المحل إيجاراً مرتفعاً، وخدمات، وتصاريح، وضرائب. ولابد وأن تنتقل هذه التكاليف إلى العملاء الذين يكافحون هم أنفسهم لتوفير الضروريات الأساسية. والبائع في الشارع، الذي يعمل خارج هذا الهيكل الرسمي، قادر على تقديم أسعار أقل على وجه التحديد لأنه مستبعد من الاقتصاد الشرعي. وعلى هذا فإن القواعد التنظيمية ذاتها التي تهدف إلى خلق النظام تخلق بدلاً من ذلك اقتصاداً موازياً. إن خريج الجامعة الذي يبيع الملابس المستعملة لا ينافس محلات الأزياء؛ بل ينافس البطالة. والموظف الحكومي السابق الذي يبيع أغراضه المنزلية لا يهدد قطاع التجزئة؛ بل يهدد أوهامنا المريحة بشأن التعافي الاقتصادي.

الاقتصاد غير الرسمي ليس مؤسسة إجرامية ينبغي قمعها، بل صمام ضغط اقتصادي يمنع الانهيار الكامل للنظام. ولابد أن يركز أي إصلاح حقيقي على خلق الظروف التي تتيح فرص العمل الرسمية آفاقاً أفضل من التجارة غير الرسمية. وهذا يعني إحياء التصنيع، وتشجيع الشركات الصغيرة، وضمان توفير فرص العمل تغطي الأجور المعيشية.

الفوضى الحقيقية ليست في شوارعنا، بل في نظام اقتصادي لا يترك للمهنيين والمتعلمين أي خيار سوى التحول إلى باعة جوالين، ثم يعاقبهم على محاولتهم البقاء. لا يكمن الاختبار الحقيقي للحكم الرشيد في مدى كفاءته في إزالة المشاهد غير اللائقة من أعين العامة، بل في مدى قدرته على خلق الظروف التي تجعل مثل هذه المشاهد غير ضرورية.

الشوارع التي نختار رؤيتها والاقتصاد الذي نرفض بنائه

تتبع العلاقة بين التنمية الصناعية والاقتصاد غير الرسمي قانونًا اقتصاديًا صارمًا نتجاهله كثيرًا. عندما تزدهر الصناعة، فإنها لا تخلق فرص عمل مباشرة فحسب، بل تخلق أيضًا دائرة متوسعة من الفرص الاقتصادية التي تجذب الناس بشكل طبيعي بعيدًا عن التجارة غير الرسمية في الشوارع.

يبدأ الأمر بالتوظيف؛ مشغلي الآلات، والفنيين، والمشرفين، وموظفي الصيانة. لا تقدم هذه الوظائف عادةً أجورًا أعلى من الباعة فحسب، بل تقدم أيضًا مزايا مهمة: التأمين الصحي، وخطط التقاعد، والأهم من ذلك، الاستقرار. ويمتد التأثير أبعد من التوظيف المباشر، فيخلق كل مصنع طلبًا على الخدمات الداعمة: النقل، والتموين، والتنظيف، والأمن. وتزدهر المتاجر لخدمة عمال المصنع، مما يخلق فرصًا مشروعة للبيع بالتجزئة. وتتطور الخدمات المهنية – المحاسبون، ومتخصصو الموارد البشرية، ومنسقو الخدمات اللوجستية. حتى أصغر عملية تصنيع تتطلب عشرات الخدمات المساعدة، وكل منها يخلق فرص عمل.

إن هذا التأثير المتتالي يحل مشكلة البسطات لا من خلال فرض القانون بل من خلال الفرص المتاحة. والمنطق الاقتصادي هنا واضح: فإذا ما أتيحت الفرصة للاختيار بين الدخل اليومي غير المؤكد والعمل المستقر مع المزايا، فإن أغلب الناس يختارون الاستقرار.

إن الدليل على هذه الآلية يكمن في التطور التاريخي لكل دولة صناعية. لم تتراجع تجارة الشارع تحت وطأة التنظيم، بل لأن فرصاً أفضل ظهرت. ويحدث التحول تدريجياً ولكن باطراد: فأولاً، يتولى الشباب وظائف في المصانع، ثم يجد الأكثر تعليماً وظائف مهنية، وأخيراً يجد حتى الباعة المنتفعون فرصاً أكثر ربحية في الاقتصاد الرسمي.

وعلى هذا فإن الحل لمشكلة الشوارع المزدحمة والتجارة غير الرسمية لا يكمن في فرض القانون بشكل أكثر صرامة أو التخطيط الحضري الذكي. بل يكمن في بناء اقتصاد يجعل البسطات غير ضرورية اقتصادياً. وعندما نركز على التصنيع والبناء، فإننا لا نعالج البطالة فحسب، بل وأيضاً النظام البيئي للتجارة غير الرسمية بالكامل. فالشوارع تنظف نفسها بنفسها، لا بسبب ترحيل المخالفات، بل لأننا نقدم لهم شيئاً أفضل.

إن هذا هو الاختبار النهائي للسياسة الاقتصادية: قدرتها على خلق فرص وفيرة إلى الحد الذي يجعل الأنشطة الغير مرغوبة عتيقة الطراز. وفي هذا الضوء، لا يمثل كل صاحب بسطة مشكلة تحتاج إلى حل، بل يمثل إمكانات تنتظر أن تنطلق في ظل اقتصاد منظم على النحو اللائق.

كتبها

رافاييل لايساندر