القائد 3، أو الاقتصاد كوسيلة للتنبؤ برؤية الهيئة

ما العامل المشترك في جميع أخبار القيادة السورية الجديدة؟

هنالك ضعف في الاجتماعات السياسية، الحوارات الحزبية، التخطيط الإداري، تصريحات حول وضع القنيطرة المحتلة، وضع شرق سوريا، ورؤية الهيئة للحكم في سوريا، وحتى غياب لخطاب موجه للشعب السوري. إلا أن الحديث عن الاقتصاد والتحسين المعيشي حاضرٌ دوماً. حتى على مستوى الاجتماعات الخارجية– يريدها المجتمع الدولي للاطمئنان على المستقبل السياسي، فيما يتمحور اهتمام الإدارة السورية حول رفع العقوبات الغربية.

قد يفتح لنا هذا التركيز الباب للتنبؤ بخطط الهيئة وقادتها، ويظهر كم هم ميالون للاستفادة من التجربة التركية. ذكر الشرع في إحدى مقابلاته أنه مُطلع على تجارب الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى، وأنه يحاول الاستفادة منها، لذلك ليس من الغريب أن يحاول استلهام التجربة التركية الأكثر نجاحاً، خاصة وأن الكثير من قياداته أيضًا قد درسوا وتخرجوا من الجامعات التركية.

والواقع أن هذه النموذج مفيد جداً للحصول على الرضا الدولي مع إبقاء حلم الحكم الإسلامي حياً، وإن تطلب تطبيق النموذج الصبر والتخطيط الدقيق، لأنه لا يولد عن استعراضات صريحة مستعجلة للسلطة الدينية، بل بالتراكم الهادئ للقوة الاقتصادية من خلال جمعيات تجارية وشبكات مالية.

إن الحليف الأعظم للسيطرة الدينية في سوريا لن يكون المتعصبين أو السلفيين، بل مصلحي السوق الحرة. وهذا هو الدرس المركزي المستفاد من تجربة تركيا. فعندما قدم تورغوت أوزال إصلاحاته الليبرالية في ثمانينيات القرن العشرين، كان يعتقد أنه يعمل على تحديث بلاده. ولكنه بدلاً من ذلك كان يضع الأساس للهيمنة السياسية الإسلامية دون أن يدري.

ما يمكن أن تفعله الهيئة، بذكاء، هو هندسة عكسية للنموذج التركي– أي استغلال الفراغ السياسي الحالي للهيمنة الاقتصادية، ومن ثم النجاح السياسي طويل الأمد. في هذه الحال، وعند قدوم وقت الانتخابات بعد أربع سنوات، لن تكون الهيئة بحاجة للديكتاتورية أو القوة للبقاء في الحكم، بل إن صناديق الاقتراع ستميل بشكل آلي لصالحهم.

إن الاستراتيجية التي تنتهجها الهيئة في سوريا واضحة: تبني التحرير الاقتصادي مع العمل في الوقت نفسه على بناء الشبكات والمؤسسات اللازمة لملء الفراغات التي يخلقها هذا التحرير. والسماح للآخرين بتفكيك النظام القديم الذي تحكمه الدولة. والتركيز بدلاً من ذلك على بناء أسس نظام جديد، يربط النجاح الاقتصادي بالالتزام الديني إلى الحد الذي يجعلهما غير قابلين للانفصال.

إن جمال هذا النهج يكمن في طبيعته الحميدة الواضحة. فهو لا يتطلب استخدام القوة، ولا يتطلب تغيير القوانين. وسوف يشارك الناس طواعية في هذه الشبكات الدينية الاقتصادية لأنها تقدم المسار الأكثر وضوحاً إلى العيش الكريم والرخاء. وبحلول الوقت الذي تصبح فيه العواقب الكاملة جلية، فإن التحول سيكون مُترسخاً إلى الحد الذي لا يمكن التراجع عنه.

يتلخص الأمر هنا في خلق نظام تتشابك فيه الحياة الاقتصادية والدينية إلى الحد الذي يجعل المشاركة في أحدهما تؤدي بطبيعة الحال إلى قبول الآخر. فالفئة التي تسيطر على السوق سوف تسيطر مع الوقت على المسجد والبرلمان أيضاً.

تفكيك النموذج

إن الخطوات الاقتصادية التي تتبنها الإدارة السورية الجديدة مثل تفكيك الضوابط الاقتصادية التي تفرضها الدولة، وخفض التعريفات الجمركية، وإلغاء حصص الاستيراد، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة. وتحدث مسؤوليها عن الكفاءة والتحديث، ووعودهم بأن كسر قبضة الدولة على الاقتصاد سوف يؤدي إلى قدر أعظم من الحرية. هي خطوات مشابهة للإصلاحات التي تبناها ’أوزال وترافقت مع صعود الأحزاب الإسلامية بداية التسعينات.

في تلك المرحلة من التاريخ التركي، أثبتت الأحزاب الإسلامية براعتها الملحوظة. فمع انسحاب الدولة من إدارة الاقتصاد، تقدمت الجماعات الإسلامية إلى الأمام لتوفير شبكات بديلة للتنسيق الاقتصادي– ما قد نطلق عليه “المؤسسات الاقتصادية الموازية” التي سمحت لمنظمات مثل موسياد MÜSİAD -والتي تمتلك مكتباً في شمال سوريا بشكل رسمي منذ 2018، وكانت أول من يزور حكومة تصريف الأعمال السورية بعد التحرير دون لحظة تردد- بالظهور كبدائل للجمعيات التجارية القائمة، وتعمل تحت لواء المبادئ الإسلامية. تخدم هذه المؤسسات غرضين: فهي توفر وظائف اقتصادية مشروعة وفي الوقت نفسه تبني شبكات من المؤيدين المخلصين الذين تربطهم روابط مالية ودينية. والجانب الديني أمر بالغ الأهمية، لأنه يحول العلاقات التجارية العادية إلى التزامات مقدسة.

إن الجانب الذكي من هذه الاستراتيجية يكمن في أنها لا تتعامل مباشرة مع السياسة بل بالتجارة الأخلاقية. ولكن تحت السطح يتدفق تيار حيث تصير شبكات الأعمال هذه تدريجياً القنوات الأساسية التي يتدفق من خلالها رأس المال داخل المجتمع. ويجد أولئك الذين يرغبون في النجاح في الأعمال التجارية أنه من الضروري على نحو متزايد العمل داخل هذه الدوائر الاقتصادية الإسلامية. ويجد التجار الذين يظلون خارج النظام أنفسهم في وضع غير مؤات، معزولين عن شبكات الائتمان والموردين والعملاء.

إن عبقرية هذا النهج تكمن في استخدامه لقوى السوق بدلاً من الإكراه. إذا أرادت الهيئة تطبيق الحكم الإسلامي، فليست بحاجة لاستخدام القمع أو سن قوانين ضيقة– سينضم التيار الأكبر: الوسط السياسي، واليمين البديل، إلى التيار الإسلامي لا لأنهم مجبرون على ذلك، بل لأنه الخيار العقلاني للبقاء والنجاح. ويتوسع النظام بشكل طبيعي، مدفوعاً بالمصلحة الذاتية الاقتصادية بقدر ما هو مدفوع بالقناعة الدينية. وأولئك الذين قد يعارضونه على أسس أيديولوجية لن يواجهوا القمع السياسي بل العزلة الاقتصادية.

تضمنت المرحلة التالية من النموذج التركي ظهور ما يُطلق عليه “نمور الأناضول” ـ وهي فئة جديدة من رجال الأعمال الذين يعملون خارج شبكات الأعمال التقليدية التي تركز على الدولة. وصار رجال الأعمال، الذين ينتمون غالباً إلى مناطق إقليمية ذات تقاليد دينية قوية، حاملي لواء النجاح الاقتصادي في ظل النظام الجديد. وشكل صعودهم دليلاً على أن التقوى والربح يمكن أن يتعايشا معاً، بل ويعزز كل منهما الآخر.

ثم تأتي المرحلة الأكثر أهمية في النموذج التركي مع توسع وسائل الإعلام والتعليم. فالتحرر الاقتصادي يؤدي حتماً إلى نمو وسائل الإعلام الخاصة والمؤسسات التعليمية. والواقع أن الجماعات الدينية، التي تراكمت لديها رؤوس الأموال من خلال شبكاتها التجارية، تتمتع بوضع جيد يسمح لها بالاستثمار في هذه القطاعات. فهي تنشئ صحفها ومحطاتها التلفزيونية ومدارسها الخاصة. وما بدأ كنفوذ اقتصادي امتد إلى عالم الفكر.

شواهد هذا النموذج في سوريا

ركزت الهيئة منذ اليوم الأول للتحرير على أنها تعمل نحو خلق سوق حرة، وانتعاش اقتصادي. واستشهدت بنجاح نموذج إدلب، لا من الناحية السياسية أو الفكرية، بل من ناحية الوضع الاقتصادي والمعيشي. تدرك الهيئة أن الوعود بمساكن رخيصة، وأجور مقبولة، وفرص استثمارية، أكثر جاذبية من المشاركة السياسية بالنسبة للمواطن العادي.

ومن ناحية للمؤسسات الاقتصادية الموازية، نرى أن الشركات التي كانت تحتكر الاقتصاد في إدلب تحت صيغة شبه حكومية، وأسماء اجنبية معاصرة، مثل e-clean للنظافة، و green energy للطاقة، وشكرة النفط وشركة استيراد التبغ، تحاول مد جذورها في باقي مناطق سورية. هذا المؤسسات تعمل كشركات خاصة، ولكن كل قادتها مسؤولون، أو ضمن شبكات، الهيئة. في حال حصول هذه الشركات على عقود طويلة الأمد من الإدارة الحالية، فإن ذلك يضمن السيطرة على مفاصل الدولة، حتى في حال تغير الواجهة.

الشاهد الآخر هو استعداد الإدارة الجديدة للتسامح مع أي تجاوز أو أي شخص في سبيل الاقتصاد. مثل الأنباء التي لا تزال غير مؤكدة عن تواجد حمشو في دمشق. والمصافحة الحميمة مع غسان عبود، الذي واجهت مؤسسته الكثير من الصراعات مع الهيئة. هذا الأمر تحديداً قد يكون مدخلاً للتيارات الأخرى للمشاركة السياسية مع الهيئة. على سبيل المثال، لم يكن من المتخيل أن يقابل الشرع مؤسسة غير معروفة شعبياً، ولم يكن لها تواجد في إدلب، مثل مدنية. لكن بعد لقاءه برجل الأعمال أيمن الأصفري، شمل اللقاء المديرة التنفيذية لمدنية لمدة ساعة و45 دقيقة، حسب ما نقلوا.   

تؤكد كل هذه الشواهد، بالإضافة للتجربة في إدلب، على استلهام إدارة الهيئة من النموذج التركي: علماني-مدني سياسيًا، ومهيمن عبر الاقتصاد. يحقق هذا النموذج أغراضاً متعددة: يكسب الهيئة حلفاء بين الاقتصاديين، وقبولاً دولياً، وشعبية محلية، ويوفر لها الغطاء لتحقيق أهدافها الحقيقية، ويخلق الظروف اللازمة لهيمنتها في نهاية المطاف.

الأسلحة الاقتصادية

سوريا ليست متناسقة من أي ناحية، لذلك فإن مواجهة أي تيار حاكم للمعارضة أمر حتمي. والنظام القمعي الذي أبقى الأسد الأب في السلطة، أسقط الابن في القرن الواحد والعشرين، وهكذا هنالك حاجة لاستخدام أدوات للسيطرة أكثر فعالية من الأساليب التقليدية للقمع. أداة تكافئ الولاء وتعاقب المعارضة دون الحاجة إلى إكراه واضح.

إن الطريقة الأكثر فعالية تبدأ بالتلاعب بموارد الدولة. فتتحول العقود الحكومية والتراخيص والتصاريح إلى أسلحة في نظام متطور من المكافأة والعقاب. وتحصل الشركات الموالية على معاملة تفضيلية، في حين تجد الشركات المرتبطة بجماعات المعارضة نفسها متورطة في تأخيرات بيروقراطية وعقبات تنظيمية. وتكمن عبقرية هذا النهج في إمكانية إنكاره ــ حيث يمكن تفسير كل حالة على حدة باعتبارها إجراء إداري روتيني.

وتتبع السيطرة على وسائل الإعلام نمطاً مماثلاً. فالرقابة المباشرة تثبت أنها أقل فعالية من الضغوط الاقتصادية. فمن الممكن إخضاع الصحف ومحطات التلفزيون المعارضة من خلال عمليات تدقيق ضريبية انتقائية، وسحب الإعلانات الحكومية، والضغط على المعلنين من القطاع الخاص. وفي الوقت نفسه، تزدهر المنافذ الإعلامية الموالية من خلال العقود الحكومية والعلاقات التجارية الودية. والنتيجة هي شكل من أشكال الرقابة الناعمة التي تبدو وكأنها تحترم مبادئ السوق في حين تحقق نفس الغايات التي تحققها السيطرة المباشرة للدولة. علينا أن نتبه منذ الآن أن الإعلام السوري “المستقل” يعمل بالكامل بدعم أجنبي غربي قد يتوقف في أي لحظة عند تضارب المصالح الدولية، أو قلة الاهتمام في الشأن السوري. والإعلام المحلي يميل بالفعل لصالح التيار الإسلامي.  

بالنسبة للنظام المصرفي، فجميع الأنظمة تدرك دوره كأداة للهيمنة. يمكن استخدام المؤسسات المالية الإسلامية لتوجيه الائتمان إلى المؤيدين بينما تحرم المعارضين منه. أما البنوك التقليدية، حتى وإن كانت مستقلة ظاهرياً، فستتعلم كيف توفق بين ممارساتها الإقراضية ومصالح التيار الحاكم. وسرعان ما يدرك أصحاب الأعمال أن قدرتهم على الوصول إلى رأس المال تعتمد على ولائهم السياسي بقدر اعتمادها على جدارتهم الائتمانية.

ولعل الجانب الأكثر دقة في هذا النظام يتمثل في تأثيره على الطبقة المهنية. سيكتشف الأطباء والمحامون والأكاديميون وغيرهم من المهنيين أن آفاقهم الاقتصادية تعتمد بشكل متزايد على علاقاتهم بشبكات التيار الحاكم. حتى يوم التحرير، كان التوظيف في مؤسسات الهيئة، أو حتى المنظمات الإنسانية ذات التوجه الإسلامية، لا يعتمد على الخبرة الوظيفية، بل على شبكات المعارف من المشاركة تنظيم الأخوان والتيارات الإسلامية الأخرة قبل الثورة. ذات الأمر مستقبلاً، يمكن ربط التقدم الوظيفي، وفرص العمل، وحتى البقاء المهني الأساسي بالمشاركة الاسمية، على الأقل، في هذه الهياكل الاقتصادية الإسلامية. ويخلق النظام ما يمكن أن نطلق عليه “الامتثال البراجماتي” ـ وهو الموقف الذي يمتثل فيه الناس لا عن قناعة بل بدافع الضرورة العملية– ذات الأمر الذي حصل مع الانتساب لحزب البعث للترقي الوظيفي.

إن الدرس الذي تعلمته الهيئة في سوريا أن القوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة المباشرة على أجهزة الدولة، واستعداء المجتمع الدولي، بل في خلق نظام حيث يصبح البقاء الاقتصادي غير قابل للفصل عن الامتثال السياسي. والهدف من ذلك هو إقامة ما يعادل دولة المراقبة الاقتصادية، حيث تتطلب كل معاملة وكل علاقة تجارية وكل خطوة مهنية الدعم الضمني لأجندة الحزب الحاكم.

إن فعالية هذا النهج تكمن في شموليته. فخلافاً للأشكال التقليدية للقمع السياسي، التي تستهدف أعمالاً معارضة بعينها، تمتد السيطرة الاقتصادية إلى كل جانب من جوانب الحياة اليومية. وتخلق مجتمعاً حيث تصبح تكلفة المعارضة باهظة بالنسبة لأغلب الناس، ليس بسبب الخوف من العقاب، بل بسبب واقع الصمود اقتصادياً.

ميم يقول اكسب الكثير من النقود عبر بيع ولاءك السياسي

كتبها:

رافاييل لايساندر