استراتيجيات لتحسين اتصالات الحكومة السورية

غالباً ما تكافح البلدان عقب الحروب الأهلية تحديات معقدة متمثلة في إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز الثقة العامة، ويجلب الانتقال من الصراع إلى السلام معه مجموعة من العقبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن بين هذه العقبات، يعد إنشاء اتصال فعال بين الحكومة ومواطنيها أمراً بالغ الأهمية. وفي كثير من الحالات، يؤدي الافتقار إلى أنظمة اتصال منسقة إلى تفاقم التوترات القائمة، مما يؤدي إلى التضليل والارتباك وانعدام الثقة.

تتعلق القضية المطروحة بالحكومة السورية حديثة التشكل، والتي تفتقر إلى الخبرة الطويلة وتكافح للتواصل بشكل فعال في سياق ما بعد الحرب. وبدا الأمر واضحًا البارحة عندما شاركت منصات عدة رابطًا لتسجيل المنشقين عن النظام، وهو ما بدا مثيرًا للريبة كون عمليات التسوية حتى لحظتها تتم وجاهياً حصراً، مما دفع منصة “تأكد”، المختصة في تدقيق المعلومات، للتواصل مع مكتبي الإعلام والعلاقات العامة التي نفت علمها بالرابط، بل وصفته بالمزور والخطير. بعد فترة قصيرة أعلنت منصة “تأكد” مجددًا أن وزارة الداخلية أكدت صحة الروابط، واعتذرت عن الخطأ الذي تسبب به غياب التنسيق بين الوزارات.

في غياب قنوات رسمية لنشر المعلومات، يصبح المواطنون عُرضة للانتشار السريع للمعلومات المضللة. وتزدهر الروايات الكاذبة والخطيرة المحتملة عندما تكون البيانات الرسمية غير متسقة أو متناقضة، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في الحكم. وتؤكد مثل هذه القضايا على الحاجة الملحة إلى استراتيجية اتصال مركزية تؤكد على الشفافية والاتساق والمساءلة.

في ذات اليوم خرج وزير الإعلام في الحكومة المؤقتة للتأكيد على ضرورة جهود إعلامية تشابه جهود عملية “ردع العدوان العسكرية” بهدف لجم جماح “الثورات المضادة”. لكن قبل أن يبدأ الوزير بتأسيس بروباغندا سياسية، ربما يجب أن يركز على إغلاق الثغور على المعلومات المضللة في المرتبة الأولى، والتواصل الشفاف مع الشعب في المرتبة الثانية، ثم التفرغ لتأسيس إعلام وطني مؤثر. ذلك أن قوة الاتصال الدقيق لا تكمن في إعلام الجمهور فحسب، بل وأيضاً في تعزيز الوحدة والمرونة. ومع نضال الحكومة الجديدة في أداء واجباتها، يصبح إنشاء قنوات اتصال شفافة وموثوقة حجر الزاوية في شرعيتها..

التحديات والحلول في الاتصال الحكومي

إن التحديات التي تواجهها حكومة ما بعد الحرب هي إنشاء قنوات اتصال فعّالة متعددة الأوجه. فالنهج المجزأ لنشر المعلومات، والافتقار إلى السلطة المركزية، والشفافية المحدودة، كلها عوامل تخلق أرضاً خصبة لانتشار الروايات الكاذبة والضارة. وتتفاقم هذه القضايا بسبب الإدارة حديثة الخبرة التي تحاول إيجاد التوازن الدقيق بين توطيد السلطة وكسب ثقة الجمهور.

إن أحد التحديات الرئيسية هو غياب هيئة مركزية للاتصالات. ففي غياب هيئة معينة مسؤولة عن إدارة ونشر المعلومات الرسمية، فإن التصريحات المتضاربة من مختلف الكيانات الحكومية قد تربك المواطنين وتنفرهم. وتوضح الأمثلة التاريخية أهمية التنسيق المركزي. على سبيل المثال، أثناء استجابة السويد لتسونامي عام 2004، أدى الافتقار إلى التماسك في الاتصالات بين الإدارات الحكومية إلى انتقادات واسعة النطاق واستلزم إجراء إصلاحات هيكلية. ومن الممكن أن تعمل هيئة اتصال مخصصة، مثل دائرة المعلومات الحكومية في فرنسا أو مكتب المعلومات الصحفية في الهند، على التخفيف من مثل هذه القضايا من خلال العمل كمصدر وحيد للتحديثات الحكومية الموثوقة.

ولا يقل عن ذلك أهمية إضفاء الطابع الرسمي على إجراءات الاتصال. ففي بيئة ما بعد الصراع الفوضوية، قد يؤدي نشر القواعد والسياسات بشكل غير رسمي أو غير رسمي إلى ترسيخ المعلومات المضللة. ويتعين على الحكومات أن تضع بروتوكولات واضحة لصياغة ومراجعة ونشر الاتصالات العامة. وينبغي أن تشمل هذه الإجراءات تحديد الجمهور المستهدف، واختيار قنوات النشر المناسبة، وإعداد مواد موجزة وسهلة الوصول إليها. ومن خلال ضمان دقة المعلومات وتوقيتها، تستطيع الحكومات الحد من انتشار الروايات غير الرسمية وتعزيز مصداقيتها.

وهناك جانب حاسم آخر يتمثل في تدريب وتطوير العاملين في مجال الاتصال الحكومي. ويتعين على الحكومات أن تستثمر في تزويد العاملين في مجال الاتصال بالمهارات اللازمة في العلاقات الإعلامية، وإدارة الأزمات، والمشاركة الرقمية. وفي البلدان التي تفتقر إلى التدريب المنهجي، قد تنتشر المعلومات المضللة عن غير قصد من قِبَل المؤسسات ذاتها المكلفة بمكافحتها. ويعمل العاملون المدربون تدريباً جيداً كجسر بين الحكومة ومواطنيها، فينقلون الرسائل بدقة وتعاطف.

التجربة السويدية

لقد خضع هيكل الاتصالات في الحكومة السويدية لعملية إعادة هيكلة احترافية كبيرة منذ سبعينيات القرن العشرين، مدفوعة بتوسع منظمة الاتصالات والتحول نحو ممارسات الاتصالات الاستراتيجية.

وفيما يلي تفصيل للخطوات التطورية الرئيسية:

وأبرزت حالات الفشل في الاتصالات، مثل تلك التي حدثت أثناء أزمة تسونامي عام 2004، الحاجة إلى التنسيق الاستراتيجي. ونتيجة لذلك، نفذت الحكومة عدة تغييرات رئيسية عام 2010:

ما يمكن عمله في سوريا في الوقت الراهن:

لا يمكن بالطبع وضع خطة استراتيجية طويلة الأمد في مقالة واحدة، ولكن من الممكن الإشارة إلى إطار عمل محتمل للمرحلة الراهنة الحساسة:

1)     إنشاء هيئة مركزية للاتصالات

تواجه العديد من البلدان، لا سوريا في الوضع الراهن فقط، تعقيدات وتحديات في إيصال إجراءات الحكومة للمواطنين، لذلك من الضروري إنشاء وكالة مركزية مثل Service d’Information du Gouvernment (SIG) في فرنسا أو مكتب معلومات الصحافة في الهند. وتكون هذه الهيئة مسؤولة عن نشر المعلومات الرسمية حول سياسات الحكومة وبرامجها ومبادراتها. كما يمكن للسلطة المركزية، عبر هذه الهيئة، تبسيط الرسائل ومنع المعلومات المتضاربة من هيئات حكومية مختلفة. وهذا مهم بشكل خاص في البلدان التي تعمل فيها الوزارات والإدارات ببعض الاستقلالية.

في سوريا اليوم، نجد أن كل وزارة تنشر قراراتها وتوجيهاتها على معرفاتها الخاصة على تلغرام، دون تنسيق مع الوزارات الأخرى، أو حتى المديريات التابعة للوزارة الواحدة. وتسلط تجربة الحكومة السويدية الضوء على مخاطر هيكل الاتصال المجزأ. لقد واجهت انتقادات والحاجة إلى إعادة التنظيم بعد الفشل في التواصل بشكل فعال، وخاصة أثناء الأزمات مثل تسونامي 2004.

هنالك ارتباك واضح في عملية نقل القرارات، وعندما يذيل القرار بعبارة: “نسخة للهيئات المعنية”. يبدو أن صفة المعني قد تشمل الجميع إلى الهيئات الإعلامية الرسمية. وسابقًا كانت ترسل نسخ من جميع القرارات، ولا تعتبر سارية، إلا بإشهارها في الجرائد الرسمية. اليوم، ومع جنون الحصول على المعلومة بسرعة، تراعى جميع التفاصيل الشكلية، وتهمل مسألة إيصال المعلومة إلى المواطنين بشكل موثوق به، حتى تتلاشى هذه الثقة رويداً رويداً.

2)     إضفاء الطابع الرسمي على قنوات وإجراءات الاتصال

من الضروري وضع إجراءات واضحة لكيفية الإعلان عن القواعد أو اللوائح أو التغييرات السياسية الجديدة ونشرها للجمهور. ويجب أن تتضمن هذه العملية:

وقد اتخذت الحكومة المؤقتة خطوة جيدة مؤخرًا في التعريف عن قنوات رسمية تمثلها، ولاحظنا فورًا كيف يمكن للقنوات الرسمية أن تقلل من الارتباك وانتشار المعلومات غير الرسمية أو غير الدقيقة. مع ذلك، يبقى هذا الجهد منقوصًا كونه مجتزأ، وكل جسم حكومي ينشر بياناته بمعزل عن الأجسام الأخرى.

3)     بناء الثقة في مسؤولي الاتصال الحكوميين

إن مصداقية مسؤولي الاتصال الحكوميين أمر بالغ الأهمية للتواصل الفعال. وكذلك إقامة تمييز واضح بين المعينين السياسيين والموظفين المدنيين العاملين في قسم الاتصال. ومن الأمثلة على ذلك محاولة جنوب إفريقيا إنشاء هيئة صحفية رئاسية. في حين كانت المبادرة تهدف إلى تحسين الاتصال، إلا أنها باءت بالفشل في النهاية بسبب عدم الثقة والشك المحيط بدوافع الحكومة.

4)     التواصل مع وسائل الإعلام

تعزيز علاقة بناءة مع الصحفيين من خلال تزويدهم بمعلومات دقيقة وفي الوقت المناسب. يمكن أن تساعد الإحاطات الصحفية المنتظمة والفعاليات الإعلامية في ضمان حصول الصحفيين على معلومات موثوقة. والمؤسسات الصحفية السورية ليست قليلة، ولا حديثة العهد في هذا المجال، لذلك فمن الجيد إشراكها في عملية التواصل مع المواطنين، وفي إنشاء نظام للتحقق من دقة المعلومات قبل إصدارها للجمهور، ومنع انتشار المعلومات الكاذبة من داخل الحكومة.

5)     تطوير الاتصالات الداخلية

من المهم اعتماد شبكات داخلية لتسهيل الاتصال وتبادل المعلومات داخل الإدارات والوكالات الحكومية. حيث يمكن للشبكات الداخلية تبسيط عمليات الاتصال، وتعزيز التعاون، وضمان حصول جميع موظفي الحكومة على المعلومات والسياسات الحديثة.

كما أنه من الضروري عقد اجتماعات منتظمة. في فرنسا، على سبيل المثال، يعقد مستشار الاتصالات اجتماعات أسبوعية مع مستشاري الاتصال من جميع الوزارات لتنسيق الرسائل الحكومية والظهور الإعلامي. واعتماد نظام مذكرات ووثائق السياسة وتقارير داخلية لتوصيل السياسات والإجراءات والتحديثات داخليًا. تضمن هذه الوثائق أن جميع موظفي الحكومة يعملون من نفس المعلومات والمبادئ التوجيهية.

6)     التأكد من أن المعلومات حول إجراءات الحكومة متاحة بسهولة للجمهور من خلال قنوات مختلفة.

استخدم مواقع الويب الحكومية والبيانات الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي ومنافذ الإعلام التقليدية للوصول إلى جمهور عريض، حيث تساهم آليات الوصول العام إلى المعلومات في الشفافية وزيادة وعي الجمهور. إن انتشار الحسابات الحكومية الموثقة على وسائل عدة يغلق الباب أمام المنتحلين، ويزيد من فرص تواصل الحكومة مع المواطنين.

أعدها:

رافاييل لايساندر

قراءات إضافية

Edelenbos, J., Molenveld, A., Van Meerkerk, I. F., Healey, P., & Gofen, A. (2021). Community-based initiatives and civic engagement: Theories and practices for building governance capacity. Taylor & Francis.

Holtz-Bacha, C., & Canel, M. J. (Eds.). (2014). Government communication: Cases and challenges. Bloomsbury Academic.

Lee, M., Neeley, G., & Stewart, K. (Eds.). (2022). Government public relations: A reader. Routledge.