تبدو هذه المقالة تشاؤمية، لكنها ضرورية للتحذير من الطرق التي قد يستغلها البعض لإفشال مسار الثورة، واختطاف منجزاتها. وتحاول، قدر الإمكان، أن تكون واقعية، وبعيدة عن تخيلات المثقفين اليساريين التي تتوافق مع واقع المرحلة الصعب.
أن نكون واقعيين
منذ أول يوم لسقوط النظام، بدأ اليساريون، ونسبة كبيرة منهم تعيش في الخارج، بالمطالبة بإزالة راية التوحيد، أو عدم تكسير محال المشروبات، أو تشكيل حكومة متعددة الأطياف، وغيرها من المطالب التي عجزت عن بعضها أنظمة عمرها عقود من الزمن، وحتى أنظمة أوربية تتبنى الديمقراطية، ويتوقعونها من تشكيلات عمرها بضعة أيام، وخبرتها السياسية لا تكمل عقدًا. مطالب اليساريين في التعددية وعلمانية الدولة محقة غالبًا، ولكنهم متقوقعون جدًا حول ذواتهم لدرجة أنهم لا يدكرون أن لدى “الهيئة” أو غرفة العمليات جمهور أهم يحتاجون لإرضائه، وأن اليساريين ليسوا الشاغل الأول -كما يحبون أن يعتقدوا أن أنفسهم- ولا تأثير لهم على الأرض في هذه المرحلة.
من تحاول الهيئة الانتقالية إرضاءهم -وأشجعهم على ذلك رغم أني شخصيًا علماني- هم المجاهدون الذين دفعوا بنظام بشار الأسد نحو الهاوية. لقد وضع الشعب السوري بتضحياته، والظروف الاقتصادية، والظروف السياسية الإقليمية، النظام السوري على حافة الجرف، لكن لا يجب أن ننكر أن من دفعه قبل أن يتم إنقاذه، لا اليساريون والمعارضون السياسيون في الخارج، بل هؤلاء المجاهدين الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل المسعى.
بالإضافة لتضحيتهم بأرواحهم، فإن أغلب هؤلاء المقاتلين هم من قرى ومدن نزحوا عنها، وتكبدوا مع عوائلهم مرارة العيش في المخيمات، وعندما بقي أهل حلب ودمشق في منازلهم بعد سقوط النظام، عاد هؤلاء المقاتلين إلى قرى ومنازل مهدمة بالكامل، وإلى اليوم، فيما يحتفل البعض في الساحات، لم يعد بعض هؤلاء المقاتلين منذ عشرة أيام إلى منازلهم، ومازالوا في برد الشوارع للحفاظ على الأمن.
هنا علينا أن نسأل، لماذا يقدم هؤلاء المقاتلون كل هذه التضحيات؟
السبب واضح بالتأكيد– لأنهم يرون أن هذا واجبهم الديني. يريدون إعلاء كلمة الله، وتطبيق شرعه. وكيف يود اليساريون مكافأتهم؟ بتحويل الدولة إلى نظام علماني خالص من اليوم الأول.
إن أخطر أمر يمكن أن يفعله من يخشون عودة داعش هو عدم الإقرار بحقوق هؤلاء المقاتلين، وتضحياتهم، حتى لو في مظاهر الدولة. فعندما يجدون أن كل ما قاتلوا من أجله يذهب أدرا الرياح فقط لإرضاء الغرب الذي كان راضين عن الرئيس السابق، فإنهم سينقلبون على غرفة العمليات، والهيئة ذاتها. وبما أنهم أقوى فصيل على الأرض يحفظ الاستقرار الحالي، فإن انقلابهم سيترك فراغًا لتملأه المجموعات الموالية للنظام السابق، والمجموعات الطائفية، وبالتالي بداية حرب أهلية.
مشكلتنا أننا، في الحياة الواقعية أو على وسائل التواصل، نحيط أنفسنا بالأشخاص الذين يشبهوننا ويشاركوننا ذات التوجهات فقط. وهكذا يستذكر اليساريون ظلم النظام وتضييقه على حرياتهم، ويتطلعون لنظام مضاد مثالي -وهذا محق مشروع نتطلع له جميعًا-، ولكنهم يتناسون أن الفئة التي عانت التضييق الأكبر من النظام هم الإسلاميون. التضييق الذي لم يشمل فقط حرية تعبيرهم، ولكن أيضًا تضييقًا على ممارستهم لشعائرهم التي يرونها مقدسة.
من هذا المبدأ، يجب ألا ننظر إلى بعض التوجهات الإسلامية على أنها تهديد لمستقبل الجمهورية، طالما أنها تحافظ على الاستقرار الحالي في سبيل دولة ديموقراطية مستقبلاً. وكما نقدم تطمينات للأقليات المسيحية أن لا أحد سيمسهم، أو شعائرهم، بسوء، من الضروري طمأنة الإسلاميين أن الدولة تراعي، في الحد الأدنى، تطلعاتهم لجمهورية تحترم شعائرهم أيضًا، وتقدر تضحياتهم. الإعلام منشغل بشدة بتغطية مخاوف الأقليات المسيحية، ولا أحد ينتبه للمجموعات الإسلامية التي بدأت تُبدي انزعاجها من الإصرار على تطمين الأقليات على حساب حقوقهم، ولا ينتبهون، على سبيل المثال لا الحصر، لانتقادات حزب التحرير الإسلامي للعملية الانتقالية على أنها “غربية” جدًا.
أرجو ألا يفهم قولي هذا على أنه دعوة للقبول بتشكيل حكومة إسلامية تفردية. ما أقوله أن استقرار المرحلة الحرجة يتطلب تطمين أطراف عدة، من بينها الإسلاميون، وهو أمرٌ تقوم به الهيئة جيدً؛ بدرجة ما.
هنالك انتقادات أيضًا لأحمد الشرع، ودوره كـ”قائد”. يتساءل الناس ما وظيفة المنصب، من أين جاء، ومن أعطاه إياه؟ الناس محقون في انتقاداتهم، ولكن علينا ألا ننسى أننا في ظروف غير اعتيادية، حيث لم يعد هنالك جيش. وقد شهدنا قادة ثورات مماثلين في إيران وكوبا، لكن المطلوب هو ألا تستمر هذه الوصاية كما في هاتين الدولتين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود شخصية قيادية يمكن أن يستطف الناس خلفها -في هذه المرحلة- خيرٌ من الفرقة كما شهدنا في بدايات الثورة، حيث أدى غياب القيادة المقنعة إلى تشرذم الفصائل تحت قيادة “المعلمين” وزعماء المناطق.
أما بالنسبة للانتقادات الموجهة لاختيار حكومة الإنقاذ الموجودة بإدلب، فأعتقد أن هذه الحكومة رغم قلة خبرة أعضاءها، وأي حكومة موجودة على الأرض أفضل مليون مرة من حكمة شكلية موجودة في الخارج، ولا تعرف أي شيء عما يجري في الداخل. بالإضافة لهذه النقطة، فإن أعضاء هذه الحكومة جازفوا، في وقت ما، بأن تضاف أسماءهم إلى قوائم الإرهاب في سبيل أن يفعلوا ما يرون أنه الصواب وخير مناطقهم، لذلك فإنهم الأكثر موثوقية لتأدية واجبات المرحلة الانتقالية دون مصالح شخصية. تخيل لو انتظرنا، في هذا الوقت العصيب، حكومة مشكلة من معارضين موجودين في الخارج لتأتي إلى سوريا؛ ما الذي يضمن للشعب أن هؤلاء لن يفروا من مناصبهم عن أول تهديد؟
صحيح أن الكثير من الأشخاص الأكفاء مازالوا موجودين في الداخل، ولم يشملهم التشكيل الحكومي المؤقت، إلا أن هذه المرحلة لا تحتمل وقتًا للخلاف حول توزيع الحقائب الوزارية، وحصة كل فئة، وتمثيل كل مجموعة. هذه الأوقات الطارئة تتطلب إجراءات طارئة للحفاظ على السلم. عندما يقع مريض ينزف في يدي طبيب لا نفكر في مؤهلات الطبيب واختصاصه. حتى لو كان ممرضًا مسعفًا– المهم أن يوقف النزيف ويحافظ على حياة المريض. بعدها يمكن أن نبحث بروية عن مختصين لعلاج المشاكل طويلة الأمد.

أكبر خطر على الثورة السورية
تحيق المخاطر بالثورة السورية من جميع الجوانب، ويفرد المحللون السياسيون الكثير من التحذيرات لخطر تفرد هيئة تحرير الشام بالسلطة أو بتشكيل الدولة. هذا الخطر قائم، لكن مخاطره ليست مرتفعة بسبب الوعي الشعبي، ووقوفه ضد أي محاولات من هذا النوع أولاً بأول، بالإضافة إلا أن هكذا خيار لن يُرضي المجتمع الدولي ويبقيه صامتًا.
هنالك الكثير من المؤشرات الخطيرة في هذا الشأن، فعندما سُئل عما إذا كان الدستور السوري الجديد سيكون إسلامياً، قال رئيس الوزراء المؤقت إنهم سيتوصلون إلى هذه التفاصيل أثناء عملهم على كتابة الدستور. ولكن من الذي يكتب هذا الدستور فعلياً؟
ونقلت مصادر مسيحية عن المطران حنا جلوف، نائب الرسول في الطائفة اللاتينية في دمشق، قوله إن 40 من الزعماء الدينيين المسيحيين من مجموعات مختلفة التقوا بمسؤول سياسي “يشرف على الطوائف” يدعى بشير العلي. ذكر لهم أن الدولة ستكون دولة “مدنية شرعية”، حيث الشرع مهم ولكن مع احترام المجموعات الدينية المختلفة. ولكن من قرر هذا نيابة عن الشعب كله؟
ونقلت المصادر قول العلي أيضًا أن الحرية يجب أن تستخدم بحكمة وعدم التسبب في المتاعب، وأي شيء ضد القانون غير مقبول. يحق للناس أن يلبسوا ما يريدون طالما أن ذلك لا يكون غير لائق.
إذا صحت هذه التوجهات فهي مقلقة جدًا، لكن التعويل خنا مرة أخرى على وعي الشعب، وعدم رضاه بأن يقرر فرد، أو مجموعة ضيقة من الأفراد، مصيرهم.
الخطر الآخر الذي يتكرر ذكره هو الركود الاقتصادي، أو سوء إدارة البلاد اقتصاديًا. فقد صرح البشير بأنه سيرفع الرواتب 300 بالمئة وستتوفر الكهرباء 24 ساعة، رغم أنه أعلن سابقًا أن النظام قد ترك البلاد مفلسة. إن التدهور في الظروف الاقتصادية قد يؤدي إلى إشعال فتيل التعبئة الثورية أو تكثيفها. كما أنه يؤدي إلى تفاقم المظالم القائمة، وإضعاف قدرة الدولة على الحفاظ على النظام، وخلق شعور بالإلحاح على التغيير.
مع ذلك فإن الانحدار الاقتصادي وحده لا يدفع على التغيير، بل قد يؤدي حتى إلى الاستقرار إذا غابت عوامل أخرى، وهو ما رأيناه في الفترة الأخيرة من حكم بشار الأسد؛ فكل الظروف الاقتصادية العصبة لم تغير في استقرار النظام.
مع ذلك، فإن الخطر الأكبر الذي يهدد الثورة السورية في الوقت الحالي، وفي حال تسليم السلطة لحكومة تعددية تعكس تطلعات الشعب السوري، هو الفصائل الموجودة في الشمال والجنوب السوريين.
يبدو أن العالم أجمع انشغل بدمشق، بالتحاور مع الهيئة، ونسي الفصائل الموجودة في الشمال، والتي كانت تتحارب مع الهيئة قبل بضعة أشهر فقط على مناطق السيطرة. هذه الفصائل التي تتبع حكومة مؤقتة ما زالت تماس أعمالها بشكل طبيعي في شمال سوريا، وتطلق عمليات عسكرية منفصلة بأوامر دول أجنبية، ومنذ أيام فقط صدر بيان عن أحد هذه الفصائل مذيلاً “بوزارة الدفاع!”. هل يستوي أن تتواجد حكومتنا مؤقتتان في بلد واحد؟
هناك غضب بين المثقفين من غياب الائتلاف الوطني عن دمشق بعد كل هذه السنوات من دعوى قيادة جهود المعارضة (ربما هو رد من الهيئة بسبب إقصاءهم من التمثيل في الائتلاف)، وهنالك صمت مريب من الائتلاف وحكومته عن وضعهم بعد سقوط الأسد. لكن الخطر ليس هنا. الخطر في أي تفاهمات مستقبلية تدع الفصائل في الشمال والجنوب من دون أي مكاسب.
مقاتلو الهيئة، بنسبة كبير، مقاتلون شعبيون انضموا للعمل العسكري من باب الواجب الديني، لذلك قد لا يتحركون في اقتتال لا يرون فيه مصلحة شرعية. أما مقاتلو الفصائل فيتخذون من العمل العسكري باب رزق، وهو ما دفع عددًا منهم للقتال في الخارج، حتى وإن لم تكن القضية تعنيهم.
ماذا يعني هذا؟
يعني هذا أنه إذا فكرنا بطريقة إيجابية، وحصل انتقال سياسي يرقى لتطلعات الشعب السوري، ولكن هذا الانتقال ترك الفصائل، العسكرية أو السياسية، في الشمال والجنوب دون مكاسب؛ كانخراطهم في المؤسسة العسكرية مثلاً، فإنهم سيكونون أول من ينقلب على الثورة، وفي الحال ستتشكل مجموعات موازية في الساحل، والجزيرة، والسويداء.
في فترة من الفترات طالب قادة الفصائل أن يحصلوا على رتب عالية لتشكيل جيش نظامي، لكن هذا الخيار لا يمكن أن يرضى به أحد نظرًا لضعف أهليتهم، لذلك من الممكن حصول القيادات على امتيازات استثمارية في الوقت الراهن، مع إلحاق عناصر الفصائل في الجيش النظامي القادم.
أعلم تمامًا أن حديثي لن يسر الكثيرين، لكنني أحاول أن أكون واقعياً لا مثاليًا. وهذا التحليل ليس نابعًا من جهدي، بل يمكن أن نجد صداه في دراسة روبرت إتش ديكس التي كتبها عام 1984، حيث يحلل نجاح وفشل الحركات الثورية في أميركا اللاتينية في الفترة من 1953 إلى 1983. ويزعم ديكس أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية أقل أهمية من قدرة الثوار على تشكيل تحالفات واسعة النطاق. فالثورات الناجحة، مثل تلك التي حدثت في كوبا ونيكاراغوا، نجحت في بناء تحالفات تضم الطبقة المتوسطة والنخب والدعم الأجنبي. وعلى العكس من ذلك، تفشل الحركات الثورية عندما تفتقر لمثل هذه التحالفات الواسعة النطاق.
التحالف مع هذه الفصائل، ثم الفصائل الكردية هو المرحلة الحرجة، لكن من الضروري أيضًا بناء تحالفات تمتد إلى ما هو أبعد من القاعدة الثورية التقليدية للطبقة المتوسطة. فهو يضم جماعات لا ترتبط عادة بالتغيير الجذري، مثل قادة الأعمال، والمهنيين، ورجال الدين، والطلاب، ودول الجوار، والمجتمع الدولي.
إذن، ما العوامل التي قد تؤثر على نجاح الثورة على المدى الطويل واستقرار النظام الجديد؟
تشريح ثورة ناجحة
تولد الثورة من الأمل، وتتغذى على المشقة، وفي أغلب الأحيان تخونها انتصاراتها. والتاريخ مليء بالثورات التي نهضت بدماء المظلومين، ولكنها تعثرت عندما واجهت واقع الحكم.
إن التحدي الأول لأي ثورة ناجحة هو تعزيز السلطة. في خضم الضغوط المصيرية -كما شهدنا في وضع الشمال السوري-، قد يتحد تحالف من الجماعات المتباينة تحت راية مشتركة، ولكن بمجرد الإطاحة بالطاغية، تصبح الشقوق في هذا التحالف واضحة بشكل مخيف. وتقدم الثورة الروسية تذكيراً قاتماً بهذه الحقيقة. فقد واجه البلاشفة، بعد أن أطاحوا بآل رومانوف، عاصفة من النزاعات الإيديولوجية والحرب الأهلية، وحافظوا على نصرهم الهش بالقوة والمكر.
ثم هناك مسألة الدعم الشعبي. فالثورات تزدهر بالوعود: الخبز للجائعين، والكهرباء للمحرومين، والعدالة للمظلومين. ولكن الوعود تُقَدَّم بسهولة ونادراً ما يتم الوفاء بها. وعندما ترتفع التوقعات إلى مستويات عالية للغاية، يصبح خيبة الأمل أمراً لا مفر منه. وقد اكتشف السانديينيون في نيكاراجوا هذه الحقيقة المريرة. فقد احتُفِي بانتصارهم باعتباره انتصاراً للمضطهدين، ولكن الاضطرابات الاقتصادية والضغوط الخارجية المتواصلة سرعان ما أدت إلى تآكل دعمهم، الأمر الذي أدى إلى سقوطهم الانتخابي. كذلك الأمر بالنسبة لوعود البشير، إن لم يكن قادرًا على الوفاء بها، فإن تطميناته المبالغ بها ستنقلب عليه. الشعب بحاجة لأشخاص يعالمونهم بشكل واعي، ويصارحونهم بضعف الدولة، لا قذف الوعود التي لا يمكن تحقيقها.
وهذا يقودنا إلى شبح التبعية الاقتصادية. فالثورات، وخاصة فيما يسمى بالعالم الثالث، كثيراً ما ترث اقتصادات مقيدة بالمصالح الأجنبية وضعف الكفاءة الداخلية. من عجيب المفارقات القاسية أن الثورات التي تسعى إلى تفكيك الاضطهاد كثيراً ما تجد نفسها محاصرة في نفس الهياكل التي سعت إلى تدميرها، وحتى الآن نجد تسرعًا غرًا من الحكومة المؤقتة لتطمين الاقتصاديين بتبني نظام اقتصادي يصلح لدولة صغيرة في العصور الوسطى، ووعود اقتصادية توحي بدعم أجنبي غير معرف، وهي كلها وصفات للخراب.
ولكن الثورات لا توجد في فراغ. فهي تتشكل ــ وغالباً ما تحبط ــ بفعل السياق الدولي. ويخيم ظل الإمبريالية على الحركات الثورية، حيث تتدخل الدول القوية لحماية مصالحها أو لإحباط انتشار الإيديولوجية التي تعتبرها خطيرة. وسواء من خلال العمل العسكري المباشر، كما في فيتنام، أو جهود زعزعة الاستقرار السرية، كما في نيكاراجوا، فإن الضغوط الخارجية قادرة على كسر حتى أكثر الأنظمة الثورية تصميماً. وفي سوريا قد يحدث هذا التدخل من قبل أمريكا إذا وجدت أن الحكومة السورية تميل إلى الإسلامية الإقصائية، ومن دول مثل إيران التي ستحاول زعزعة الاستقرار بعد سقوط حليفها، عبر مجموعات طائفية أو من الحرس السابق.
وفي خضم هذه التحديات الخارجية، تعمل الثقافة السياسية والإيديولوجية للثورة كبوصلة وقيد في الوقت نفسه. إن الحركة التي ترتكز على أيديولوجية متماسكة وموحدة، مثل الماركسية اللينينية، قد تصمد في وجه عواصف الاضطرابات التي تلي الثورة بشكل أفضل من تلك التي تحددها الشعبوية الغامضة. ومع ذلك، فإن الأيديولوجية، أيضاً، تصبح خطرة جدًا عندما تتصلب في شكل عقيدة أو تنفر أولئك الذين لا يشاركونها حماستها. لا أحد يريد أن تتحول سوريا إلى بلد تحكمه أيدلوجية دينية، ولكن لا يجب أن يصبح مشتتًا سياسيًا كما لبنان. هذا أمرٌ غائب عن محادثات المثقفين والمحللين حتى الآن، للأسف.
في النهاية، لا يقاس نجاح الثورة بسقوط النظام ولكن ببناء نظام جديد. إنه اختبار للتحمل والتنازلات والقدرة على المثابرة. إن المفارقة المأساوية هنا هي أن الثورات، التي تولد من الأحلام، لابد وأن تكافح ضد حقائق الحوكمة القاسية. تكشف لنا الثورات أنه في حين يمكن الإطاحة بالطغيان، فإن الصراع الأعمق يكمن في بناء شيء أفضل في مكانه.
وكما كان أورويل ليستنتج: إن كل ثورة تحمل في طياتها بذور اضمحلالها. والمهمة هنا لا تتلخص في انتزاع السلطة فحسب، بل وفي استخدامها بحكمة، خشية أن تلتهم الثورة نفسها وتترك للناس رماد آمالهم.
كتبها:

