متى صارت الخبرة شرطًا لحضور التدريبات!

أنا خريجة اقتصاد لأن الظروف، وأهلي، دفعاني لدخول هذا الاختصاص. أما طموحي الحقيقي فلطالما تمثل بالعمل في الصحافة، إذ كنت منبهرة بلويس من مسلسل سوبرمان­ منذ الصغر­. أعلم اليوم أنها ليست الصورة المثالية لنسوية ناجحة كونها احتاجت سوبرمان لينقذها كلما وقعت في مشكلة، ولكن ربما ما جذبني إليها أنه في حين امتلك سوبرمان القدرات الخارقة، كان قوة لويس هي الصحافة– لاحق سوبرمان الأشرار بعضلاته، فيما لاحقتهم لويس، وفضحتهم، عبر تقاريرها الصحفية.

قرأت الجرائد والمجلات الرائدة بنهم، وشاركت في مسابقة جامعية أو محلية عن الكتابة، ثم رحت أراسل العديد من المنصات الإخبارية والصحفية بمقالات أو تحقيقات أجريتها بنفسي. ما لم أعلمه أن المواضيع الجيدة غير كافية للنشر في كثير من المنصات العربية، ويتطلب الأمر سيرة ذاتية أو اسمًا معتبرًا لتُقرأ أعمال المرء في المرتبة الأولى. في أحسن الأحوال، وعوضًا عن تجاهلي تمامًا، كان يأتيني رد بأنه من أنا ليوثق بعملي، أو أن التحقيق لا يلتزم بمبادئ العمل الصحفي، وهلم جر من تبريرات نخبوية غير واضحة تُعطي إحساسًا بأن هدفها الوحيد إبقاء العمل الصحفي ضمن حلقة ضيقة من معارف المنصة.

أصبت بالقنوت من هذا الوضع ونسيت هذا المسعى تمامًا لفترة من الزمن، ثم فكرت أن من يحب شيء بالفعل لا يتخلى عنه مهما كثر الرفض والعوائق. لذلك قررت أن أبدأ من جديد عبر الالتحاق بإحدى دورات الصحافة والكتابة لمعرفة متطلبات المنصات الصحفية، وتجنب العثرات والهفوات التي لمت عليها دون معرفة ما هي تحديدًا.

هكذا تدريبات مختصة قليلة بطبيعة الحال؛ وخاصة في بلدي سوريا. انتظرت طويلاً حتى رأيت إعلانًا على فيسبوك عن برنامج تدريب وإنتاج تحقيقات صحفية “مخصص للصحفيات السوريات” عبر مؤسسة سراج (الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية)، وهي مؤسسة مرموقة في القطاع الصحفي. كان الإعلان عن التدريب كاستجابة سماوية حرفية لكل دعواتي. بدأت بقراءة الإعلان حيث أتت كل كلمة في نص الإعلان وكأنها مفصلة حسب تطلعاتي: تدريب مكثف على مدى ست أشهر وليس شيئًا عابرًا، دعم للصحفيات للعمل على مشاريع تخرجهم ونشرها، وهدف التدريب “خلق جيلٍ محترف من الصحافيات الاستقصائيات السوريات”.

“سأفعل أي شيء!” رُحتُ أفكر وأنا أبحث عن طريقة التقديم، وكاد قلبي يطير من الفرحة حتى قرأت الشروط. لم تكن الشروط كثيرة في الواقع– ثلاثة فقط. الأول عن تقديم فكرة تحقيق استقصائي. لدي عشرات الأفكار. الأخير عن التعهد بالالتزام بجدول البرنامج، وذلك أمرٌ منطقي ولا يجب أن يشكل أي مشكلة. لكنني توقفت عند الثاني مطولاً. “خبرة سابقة في العمل الصحافي” وفي الأسفل بالمتطلبات المشترط إرفاقها في إيميل التقديم: “ثلاثة روابط سابقة تحتوي على أعمال صحافية”.

نموذج لطلب تقدم على تدريب من إحدى المنظمات الغير حكومية

أصابني الشرط كلطمة على الوجه بسمكة متجمدة! كيف يمكن أن يكون هدف المشروع خلق جيل محترف من الصحفيات ثم يطلب أن تمتلك المتقدمات الخبرة؟ إذا كانت الصحفية ذات خبرة مع ثلاث أعمال منشور فلماذا تود حضور تدريب في هذه المرحلة طالما أن أمورها سارية؟

بعد فترة أعلنت “مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و Syria Untold حكاية ما انحكت عن إطلاق مشروع التدريب والإرشاد، الذي يهدف إلى تمكين الجيل القادم من الصحفيات السوريات في شمال سوريا ودول الجوار”.

مرة أخرى كان الإعلان كأنه مفصل وفق احتياجاتي وأحلامي ووضعي الراهن، لكن احزروا ماذا اشترط نموذج التقديم؟ إن قلتم تحميل نموذج عن كتابة المتقدمة، أو الكتابة فيما لا يتجاوز 800 كلمة عن سبب اختيار المتقدمة دون غيرها، فقد أخطأتم جدًا. وإن قلتم “روابط أعمال سابقة” فقط أصبتم عين الحقيقة.

اعترض أحدهم على فيسبوك -مشكورًا- أن طلب الخبرة غير منطقي مع الأخذ بالاعتبار أن صاحب الخبرة خسر دافع الالتحاق في هكذا تدريب، على عكس الهاوي الذي يرغب في دخول الوسط. جاء الرد بأنه ستتم مناقشة الأمر مع المعنيين، وستأخذ جميع الطلبات بعين الاعتبار حتى لو لم يُستكمل شرط الخبرة. بقيت أنتظر حتى آخر يوم للتقديم، لكن إشارة الحقل الإلزامي الحمراء البغيضة لم تختفي من فوق حقل روابط الأعمال السابقة.

الأمر لا يخص المؤسسات الصحفية، فقبلها أعلنت منظمة مدنية سورية عن تدريب عن “كتابة المحتوى” وقد أجروا مع المتقدمين ثلاث مقابلات شخصية لمناقشة خبراتهم قبل قبولهم. لقد قدمت على وظائف فعلية لم تتطلب هذا العدد من المقابلات قبلها.

ماذا يحدث هنا؟ حتى قريبًا كان الدائرة المغلقة الوحيدة التي يتم انتقادها هي: أود اكتساب خبرة لأتوظف، ولكن لا أحد يوظف من دون خبرة. أما اليوم فيبدو أننا نقف أمام دائرة أكثر إثارة للمفارقة -وربما الضحك- هي: عليّ اكتساب المهارات اللازمة لدخول السوق، لكن لا أحد يدرب ما لم تمتلك الخبرة اللازمة في السوق.

للإنصاف، قد لا يكون هذا التوجه خطأ المنظمات والمؤسسات كليًا. بدأت هكذا مطالب تظهر مع بروز التدريبات المجانية. عندما تتقدم إلى تدريب مأجور فسيقبلك صاحب التدريب -مالم يكن هنالك طلب شديد على تدريبه- مهما كانت مؤهلاتك لأنه يريد مالك، وستلتزم، أنت المتدرب، بطبيعة الحال لأنك دفعت أمولاً مقابل هذا التدريب. لكن عندما بدأت المنظمات الغير حكومية بتقديم تدريبات مجانية، زادت معدلات الذين يسجلون على تدريبات لا يعرفون ما هي، أو لا يملكون حافزًا قويًا للالتزام بها فقط لأنها مجانية. وزادت معدلات التسرب بشكل خطير، وأثر ذلك بالتأكيد على سير عملية التدريب ووصوله للمستفيدين الذي يستحقونه فعلاً، مما دفع بالمنظمات لرفع سقف متطلباتها.

لكن هنا يعلب الكسل دوره. فبدلاً من المطالبة بنماذج توضح قدرات المتقدم وفهمه الحقيقي لما يقدم عليه، تركن المؤسسات إلى أسهل طلب: أن تكون مؤسسات أخرى قد عملت عملها وقيمت إنتاج الفرد ومدى نجاحه، أي الخبرة.

يمكن اعتبار فكرة طلب الخبرة لحضور التدريب فكرة غير منطقية لأن الغرض من التدريب غالبًا ما يكون اكتساب معرفة ومهارات جديدة لا يمتلكها المرء بالفعل. إذا كان شخص ما لديه بالفعل خبرة في مجال معين، فقد لا يحتاج بالضرورة إلى التدريب. بالإضافة إلى ذلك، فإن طلب الخبرة يمكن أن يستبعد الأفراد الذين قد يكونون متحمسين للتعلم وقد يكون لديهم القدرة على التفوق في الوسط، ولكن ربما لم تتح لهم الفرصة لاكتساب خبرة سابقة.

كاريكاتور عن متطلبات العمل الغير منطقية

أي مساوئ أخرى؟ بالتأكيد:

علاوة على ذلك، وحتى في حالات التدريبات المتقدمة الموجهة لتطوير المهارات والمعرفة السابقة، فإنه من الممكن للأفراد ذوي الخبرة أن يكونوا قد طوروا عادات سيئة أو أساليب قديمة. كما قد تفقد المنظمات أيضًا وجهات نظر جديدة وأفكار مبتكرة يمكن أن تفيد عملياتها.

يجب التميز هنا بين طلب مستوى معين من المعرفة للتأهل للتدريب -كما قد تحتاج لمستوى معين من اللغة الإنجليزية لدخول كل مستوى تدريبي متقدم- وبين طلب الخبرة كبديل عن تقييم المعرفة. تخيل مثلًا إعلانًا عن تدريب برمجة، ولكن بدل المطالبة بمستوى معين من المعرفة البرمجية وإجراء اختبار مستوى للمتقدمين، يطلب منهم روابط ثلاث تطبيقات منشورة على متجر التطبيقات.

 بشكل عام، في حين أن الخبرة السابقة يمكن أن تكون مفيدة في سياق التدريبات المتقدمة، لا ينبغي أن تكون العامل الوحيد الذي يؤخذ في الاعتبار عند تحديد الأهلية لبرامج التدريب. يجب على المنظمات أيضًا مراعاة عوامل أخرى مثل الإمكانات والشغف والاستعداد للتعلم عند اختيار المرشحين لبرامج التدريب، وتحديد هذه الأمور ليس بالأمر المستحيل أو حتى الصعب، ولكنه يحتاج لدراسة متطلبات التدريب والشريحة المستهدفة بروية أكثر، وتصميم معايير القبول بما يلائم ذلك، لا ما يلائم الراحة الشخصية.

للتدليل أن الأمر ليس مستحيلًا يكفي أن ننظر إلى نموذج ضم المتدربين لدى شبكة الحدود. لا يركز النموذج على خبرات المتقدمين ولا دراستهم، لكنه يخضعهم لعدد من التحديات لقياس مدى توافق مواهبهم مع محتوى الشبكة. نموذج الحدود يحتاج لجهد أكبر بكثير بالطبع لقراءة وتقييم مدخلات جميع المتقدمين من لو طلبت سيرة بخبراتهم ببساطة، ولكن النتيجة هي مستوى ثابت من جودة المحتوى عبر السنوات، وخلق وتضمين جيل صفحي غير نخبوي من جنسيات وانتماءات سياسية متنوعة تعكس مبادئ والتزامات المؤسسة فعليًا لا نظريًا فقط. 

السؤال المهم الآن، هل تعتبر هذا المقالة عن المؤسسات الصحفية -وقطاع العمل بشكل عام- خبرة مؤهلة للقبول في تدريبات هذه المؤسسات؟

وجه مبتسم

كتبتها: سوزدار شيخو