هل وظيفة أي عمل درامي أن يقدم حقيقة واقعية أو تاريخية؟ هل وظيفته أن يقدم أية حقيقة من أي نوع؟ يختلف الجواب حسب المشاهد وحسب الناقد. في سوق تتوق إلى وتشغف بالدراما التاريخية، مثل السوق العربية عامة والسورية خاصة، يجد صناع الدراما أنفسهم مشدودين إلى حوادث تاريخية لها صداها لدى السوق. وحتى نكمل إغلاق الحلقة على نفسها فإن صناع الدراما العربية، من خلال مموليهم، يرغبون بالتأثير على الشارع وصياغة أيديولوجيته وذائقته وخياله. من هذا المنطلق، لا الممدوح ولا المذموم من قبلنا، يمكننا أن ننظر إلى مسلسل “ابتسم أيها الجنرال”.
وهنا يجدر بنا التوقف للحظة لنحدد مصطلحاتنا حتى لا نغرق في تعميمات وإحالات غير صحيحة. هذا المسلسل ليس دراما سورية كما يصفونه. الممثلون سوريون ولبنانيون. الكاتب والمخرج سوريان. التمويل ربما قطري. التصوير والتقنيات تركية. والمشاهدون سوريون وعرب بشكل عام. والإحالة التاريخية إلى أحداث وقعت في سوريا ولبنان. والتأثير المرجو غير معروف المنشأ. والحساسيات السياسية التي حكمت خيارات المسلسل فأدخلت وأضافت وحذفت وحبكت ربما لا يكون لها علاقة بسوريا. الذائقة التي حكمت اختيار الموضوع وتطوير الشخصيات واختيار الديكور ومواقع التصوير وتضخيم أو كبت الانفعالات، لا يمكن الجزم بأنها سورية. إذن لا يمكن المماهاة هنا بين “قومية” (سورية مثلاً) معينة، وبالتالي ثقافة معينة (هذا إن وجدت)، وبين هذا العمل. إنه عمل سوري، عربي، متوسطي، معولم، وربما مجموعة أخرى من الصفات الأقل تعبيراً.
من الواضح أن المسلسل يحيلنا إلى النظام السوري في نسخة التوريث. فالتاريخ الذي عرض على الشاشة في أول حلقة كان 2005. وهذا التاريخ لا يخفى على أحد، فهو تاريخ ارتكاب النظام السوري وحزب الله اللبناني لحماقة اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري. هذه الحماقة التي هزت النظام إلى عمقه وزعزعت صورته المحلية، بحيث أنه كان بحاجة إلى الهجوم الإسرائيلي عام 2006 ليعيد توازنه وصورته وهيبته التي وسمه بها المؤسس الأب. الشخصيات المحورية في المسلسل تقابلها شخصيات واقعية ففرات هو بشار الأسد، وعاصي هو ماهر الأسد، وحيدر هو علي مملوك، وسمية هي بشرى الأسد، والخال هو محمد مخلوف، وأنيس ربما يكون رامي مخلوف، وصوفيا هي أسماء الأخرس. الأحداث تدور بين سوريا (دولة الفرات) والجمهورية الغربية (لبنان). والحدث الذي سبب الأزمة هو اغتيال رئيس قناة تلفزيونية “من الجمهورية الغربية”، كناية عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الحريري. وحتى المتظاهرون في الجمهورية الغربية يلمحون إلى السيادة والاستقلال والمعاناة من نظام الدولة الجارة.
إذن الكاتب وضع نفسه في برزخ الخيال الذي ليس خيالاً كاملاً، والواقع الذي ليس واقعاً كاملاً. لا نزعم بأن أي عمل درامي يجب أن يكون منفصلاً تمام عن أي شبه تاريخي، لكن الكاتب، سامر رضوان، سحب المشاهد إلى مماهاة كاملة بين الأحداث والشخصيات التاريخية وتلك الدرامية. فصار من غير الممكن أن ينعتق المشاهد من المقارنة وتتبع صحة الأحداث تاريخيا والتعطش إلى “فش خلقه” المتراكم تاريخيا. حتى لقد أصبح من غير الممكن “مسامحة” الكاتب على تغيير ملامح بعض الشخصيات مثل فرات، وحذف بعض الفواعل التاريخية مثل حزب الله (رغم أن اختيار عصابة مجرمة لتحل محله هو اختيار صائب)، واغتيال رئيس قناة تلفزيونية بدل اغتيال رئيس وزراء. ورغم أنه من المنطقي جداً أن يختزل الكاتب الواقع ببعض الشخصيات والأحداث، وأن يحذف ويغير ويضيف، حتى ينجح في شحنهم بشحنات درامية مؤثرة، فالحقيقة في معظم الأحيان لا تستطيع أن تقوم بهذا الشحن الدرامي نظراً لتعقيدها واتساع مجالها الزمني، إلا أن التمادي في المماهاة قد دفع البعض إلى البحث عن المقابل الحقيقي لبعض الشخصيات المتخيلة مثل السجين المغيب زين الدين والضابط العالم المتقاعد فضل الله.
وانطلاقاً من هذا الفخ الذي وضع الكاتب فيه نفسه، لا يسعنا إلا أن نلومه على تفويت فرص درامية هائلة كان يمكن أن تعطي لعمله بعداً نفسيا وتحليلاً عميقاً. فعائلة الأسد ليست عائلة سورية عادية لها محاسنها ومساوئها، ولا عائلة رئاسية تنهل من ثقافة اجتماعية سياسية كثقافة الرئاسة في فرنسا أو الولايات المتحدة، ولا عائلة أرستقراطية لها تاريخ طويل في التمايز والتعليم والتربية في القصور. إنها عائلة من أصول متوسطة الحال لها جذور تاريخية طويلة في الإجرام وقطع الطريق في منطقة الجبال الساحلية (وهي تمارس هذه المهنة إلى اليوم). الجد سليمان قتل ابنه بيده حسب باتريك سيل، وكان حافظ شاهداً. والأب حافظ موتور وبلطجي سابق ويحمل كل عقد الدونية/الفوقية التي أعطاه إياه أصله الريفي الأقلوي المهمش، وكل عقد البارانويا التي أكتسبها من عمله المخابراتي العسكري التآمري. والأم غالبا مسحوبة العاطفة والأمومة. والأبناء يعانون من أمراض نفسية عصابية متعددة سببتها شخصية الاب وشخصية الأم والتربية في القصور التي لا تعرف الحدود الطبيعية الأخلاقية. فالأول نرجسي متضخم الأنا، والثاني مدمن مخدرات، والثالث قلق معدوم الثقة بالنفس، والرابع سيكوباتي مجرم دموي، وزوجة الابن التي أصبحت سيدة أولى بنت مدللة عديمة الإحساس والبوصلة الأخلاقية. هذه الخلطة لا يمكن أن تخلقها أية دراما مهما كانت مجنونة. ويمكنني أن أتفهم خوف القائمين على المسلسل على حياتهم إذا هم اقتربوا ولو لأمتار من العمق المرضي لهذه الشخصيات. لكن شخصية فرات الرصينة المفكرة لا تليق ببشار الأسد. كان يمكن أن يضخ الكاتب بعض ضعف الثقة بالنفس، بعض الحاجة المستمرة للإطراء، مع بعض الفلسفة الفارغة التي اشتهر بها.
لكن لو لم أكن أعرف أن المسلسل يتطابق مع أحداث تاريخية بعينها لقلت بأن الحبكة الدرامية موفقة. وقد كان الكاتب موفقاً في عنصر المفاجأة المنطقية والأخلاقية، أو لنقل اللامنطقية واللاأخلاقية. الأحداث تنتشل المشاهد من منطقه اليومي والأخلاقي لتضعه أمام شخصيات تمتهن “اللعب على مائة حبل” ولا تردعها أية روادع أخلاقية. إنها تلعب بمنطق السلطة المكيافيللي الذي تبدأ كل حلقة باقتباس من كتابه الأمير. إنه منطق المسلسل الأمريكي “بيت من ورق” الذي أدهش المشاهدين بتخطيه لكل حدود الخيال والمعروف. وهذا جيد درامياً، لكنه غير صحيح تاريخياً، لأن أفعال أسرة الأسد تفوق أي منطق مكيافيللي في انعتاقها من أي رادع سياسي أو أخلاقي. إنه منطق المجرم الذي يثير الذعر بأن يتفوق في كل مرة على أفظع ما يمكن لأي عقل بشري أن يتخيله.

ورغم بطء الأحداث فإن هناك نوع من التشويق الذي يحمل المشاهد من الحلقة إلى التي تليها. والآن ومع اقتراب الموسم الرمضاني من منتصفه لا بد من تصعيد الأحداث والدراما وليس التراخي الذي وسم الحلقتين العاشرة والحادية عشر. اقتربنا من نصف المسار والخط الزمني للقصة لا يزال يغطي حوالي ثمانية وأربعين ساعة. لا مانع في ذلك، وأتمنى أن يبقى المسلسل بأكمله وفياً لفرضيته الأولى، وهي أن الزمن قد يتباطأ في بعض الأحيان ليسمح بعدد هائل من الأحداث وأن الحياة يمكن أن تختزل أحياناً في تفاصيل يومين أو ثلاثة. هذا ما عشناه في السنوات الأخيرة وهذا فعلاً ما وسم أحداث 2005 التي انتهت بهزيمة سياسية شنيعة لنظام بشار الأسد.
انتقاء الممثلين والممثلات لأداء الأدوار المختلفة كان موفقاً. الممثل مكسيم خليل، البشوش الوجه طبيعياً، استطاع من خلال شاربه الهتلري/الستاليني وزم الشفتين وتقطيب الحاجبين والتنهدات التأملية وانفجارات الغضب المبثوثة هنا وهناك أن يعطينا أداءً مقنعاً لديكتاتور يتقمص دور “سيادة الرئيس” (الذي اخترعه حافظ الأسد) بعقليته الأبوية وتماهيه التملكي مع البلد (أنا البلد). بالطبع، ليس هو بشار الأسد الذي نعرفه، لكنه لا يحتاج لأن يكونه. إن الشخصية التي يتقمصها ويؤديها كافية للمسلسل وحبكته ورمزيته. ورغم التركيز الأطول زمنياً على شخصية “سيادة الرئيس”، إلا أن شخصية حيدر كانت حاضرة بقوة وأحياناً خاطفة للأنظار والاهتمام. عبد الحكيم قطيفان هو الممثل الوحيد الذي لم يعتمد على مبالغات جسدية وصوتية لتأدية الأفعال والانفعالات المنوطة بشخصيته. رجال الاستخبارات، السوريون وغيرهم، لهم هذه الهالة من الثبات والروية والدهاء؛ وقد أحسن قطيفان في نقلها إلى المشاهد. عزة البحرة، في دور الأم، تؤدي دور الأم العادية التي تحرص من باب عاطفة الأمومة، على المصالحة بين أبنائها. لكن الكاتب في لقطة القسم على البطن أعطاها صفة رئيسة العصابة، الماترونة أو العرابة، وهي صفة لم تحملها إلينا لا تصرفات الشخصية ولا عزة البحرة. وهنا قد يقع اللوم على المخرج، عروة محمد، في عدم توضيح دور هذه الشخصية. لا أحد يعرف أي شيء عن السيدة الأولى السابقة أنيسة مخلوف. والإشاعات التي تداولها الناس منذ توريث الحكم إلى ابنها وانتهاءً بموتها عام 2016 لا ترسم إلا ملامح شخصية نمطية عن زوجة الديكتاتور وأم الديكتاتور التي يلعن السوريون “البطن الذي جاء بهم”. الكاتب والمخرج يلتزمان برمزية “البطن” لكن من زاوية الأمومة، فلذلك نراها تدور بين أولادها تصالح بينهم وهي تبكي. أعتقد أنه كان ربما من الأجدى والأصح، تاريخيًا ودراميًا، تصويرها كرئيسة عصابة لا عاطفة لها.
من الصعب أن تعطينا المعترضات المرئية (مشاهد قوافل السيارات ومشاهد البحر والسهل) الانطباع بأن الشخصيات والأحداث تتحرك في شرق المتوسط لأن تكلفة التصوير خارج الإستديو عالية. مكان التصوير تركيا كما هو واضح لأي مشاهد زار تركيا وخاصة شمالها وغربها حول اسطنبول. لكني لا أتمالك إلا أن أتمنى لو أن الخلفية المرئية لشرق المتوسط الجافة والكلسية والمنقطة ببعض الأشجار القصيرة كانت جزءاً من الجو المرئي للمسلسل. فجفاف تلك المنطقة يتبادل المعنى والرمزية مع الوضع السوري والسياسة السورية واللبنانية. الأشجار الكثيفة والجو الغائم كانت أحياناً مؤشرات متوهة بدل أن تكون إيحاءات غير واعية للمشاهد.
المسلسل عمل درامي ممتاز، ويستحق المشاهدة والمتابعة. وآمل أن يكون النصف الثاني بعلو ومتانة والنصف الأول.
كتبها: أحمد نظير الأتاسي
أستاذ التاريخ الإسلامي والشرق أوسطي في جامعة لويزيانا التقنية. فيسبوك

